العودة للمدونة

كيف تختبر صحة التموضع (Positioning) الذي اخترته لمنتجك؟

ماماهر الجميل··8 دقائق للقراءة
كيف تختبر صحة التموضع (Positioning) الذي اخترته لمنتجك؟

بعد أن تحدد التموضع (Positioning) لمنتج SaaS، قد تشعر أنك وصلت إلى الإجابة. فقد حددت الفئة التي ينتمي إليها المنتج (Category)، وصغت وعده الأساسي (Core Promise)، وعرفت حالات الاستخدام (Use Cases) التي يقدمها.

لكن يبقى سؤال لا يقل أهمية: كيف تعرف أن التموضع الذي اخترته هو الصحيح فعلًا؟

ظهر هذا السؤال أثناء عملنا على ليمونة. عندما حاولنا تعريف المنتج، وجدنا أكثر من إجابة تبدو منطقية:

  • منصة لإنشاء الدورات وبيعها.
  • منصة لإنشاء أكاديمية إلكترونية.
  • منصة لإنشاء منصتك الخاصة.

كل إجابة تصف جزءًا حقيقيًا من المنتج. لكننا لم نكن نبحث عن جملة صحيحة فحسب، بل عن المكان الصحيح الذي يمكن أن تحتله ليمونة في ذهن العميل وفي السوق.

هنا بدأت مرحلة مختلفة: اختبار التموضع، لا مجرد صياغته.

لا تختبر الجملة، اختبر الفكرة

لا تختبر الجملة، اختبر الفكرة

من الأخطاء الشائعة أن نعرض جملة على مجموعة من الأشخاص ونسألهم: ما رأيكم فيها؟ هل تعجبكم هذه الصياغة؟

قد تخبرنا الإجابات إن كانت الجملة جميلة أو واضحة، لكنها لن تخبرنا إن كان التموضع صحيحًا. فالتموضع ليس مجرد عنوان رئيسي (Headline)، بل قرار استراتيجي يحدد:

  • الفئة التي ينتمي إليها المنتج.
  • المشكلة التي يحلها.
  • القيمة التي يقدمها.
  • البدائل التي ينافسها.
  • المكان الذي نريد أن يحتله في ذهن العميل.

لذلك، السؤال الأهم ليس: هل تعجبك الجملة؟ بل: هل تعكس هذه الجملة الطريقة التي يفهم بها العميل المشكلة والمنتج والبدائل؟

ابدأ من المنتج

قبل اختبار أي فئة، تأكد أولًا من أنها تصف المنتج فعلًا.

في حالة ليمونة، كان من السهل أن نقول: منصة لإنشاء الدورات وبيعها. وهذا وصف صحيح؛ فليمونة تتيح بالفعل إنشاء الدورات وبيعها.

لكن عندما نظرنا إلى المنتج نظرة أوسع، وجدنا أنه يقدم أيضًا المنتجات الرقمية، والعضويات والاشتراكات، والتدريب والجلسات، والمدفوعات، وصفحات الهبوط، والتحليلات، والتكاملات وغيرها.

وهنا ظهر سؤال مهم: هل الدورة هي المنتج، أم أنها واحدة من الأشياء التي يستطيع العميل بناءها داخل المنتج؟

غيّر هذا السؤال نظرتنا إلى التموضع. فإذا كانت الفئة تستبعد جزءًا كبيرًا من المنتج، فقد تكون صحيحة، لكنها أضيق من اللازم. وليس كل تموضع ضيق خاطئًا، لكنه قد يمنع المنتج من امتلاك المساحة التي يحتاج إليها للنمو.

انظر إلى المنافسين، لكن لا تنسخهم

كانت الخطوة التالية هي دراسة المشهد التنافسي (Competitive Landscape). لم يكن هدفنا معرفة ما يقوله المنافسون فقط، بل فهم المساحة التي يحتلها كل منهم في ذهن السوق.

عندما نظرنا إلى منتجات مثل Teachable وThinkific وKajabi وPodia، وجدنا أن معظمها لم يعد يقدم نفسه باعتباره مجرد أداة لرفع الدورات:

  • يتحدث Teachable عن بناء نشاط تعليمي وتنميته، ويضم الدورات والتدريب والمنتجات الرقمية والعضويات وغيرها.
  • يتحرك Thinkific في مساحة أوسع من نظام إدارة التعلم، ويركز على إنشاء المنتجات التعليمية وبناء نشاط تعليمي عبر الإنترنت.
  • يقدم Kajabi نفسه كنظام متكامل للخبراء، يجمع المنتجات والتعليم والتسويق والمدفوعات والتحليلات.
  • يركز Podia على بيع المنتجات والخدمات الرقمية، مثل الدورات والملفات الرقمية والتدريب والعضويات.

أما Udemy فيعمل وفق نموذج مختلف؛ فهو سوق للدورات (Marketplace)، وليس منتج SaaS لبناء منصة خاصة.

قادنا ذلك إلى ملاحظة مهمة: السوق يتحرك من فكرة «أداة لإنشاء دورة» إلى مساحة أوسع هي «منصة لبناء نشاط تعليمي أو رقمي وتشغيله». وكانت هذه الملاحظة أساسية عند اختبار تموضع ليمونة.

اختبر أكثر من فئة

بدلًا من افتراض أن أول وصف توصلنا إليه هو الأفضل، وضعنا عدة احتمالات أمامنا.

منصة للدورات (Course Platform)

منصة لإنشاء الدورات وبيعها.

ميزتها الوضوح؛ فمعظم الناس يفهمون المقصود فورًا. لكنها تختزل ليمونة في جزء واحد من المنتج، وتضعها مباشرة في مساحة مزدحمة جدًا.

أداة لبناء الأكاديميات (Academy Builder)

منصة لإنشاء أكاديميتك الخاصة.

هذا الاتجاه أقرب إلى فكرة امتلاك المنصة، لا مجرد رفع دورة عليها، كما أنه يصف نتيجة يستطيع العميل تصورها. لكنه قد يربط المنتج بالتعليم أكثر مما نريد، خصوصًا إذا كانت ليمونة تستهدف نطاقًا أوسع من المنتجات والأنشطة الرقمية.

أداة لبناء المنصات (Platform Builder)

منصة لإنشاء منصتك التعليمية والرقمية.

يعكس هذا الاتجاه فكرة أساسية نريد أن ترتبط بليمونة: أنشئ منصتك. كما يستوعب الدورات والمنتجات الرقمية والعضويات والتدريب داخل منصة واحدة.

لكن مصطلح Platform Builder وحده واسع جدًا؛ فقد يفهمه البعض على أنه أداة لبناء منتجات SaaS أو التطبيقات أو الأسواق الإلكترونية. لذلك يحتاج المجال إلى تحديد أوضح: منصة لإنشاء المنصات التعليمية والرقمية وإدارتها.

منصة للأعمال القائمة على المعرفة (Knowledge Business Platform)

منصة لبناء نشاطك القائم على المعرفة وإدارته.

هذه صياغة مميزة استراتيجيًا، لكنها أقل وضوحًا. فمصطلح Knowledge Business ليس بالضرورة ما يستخدمه العميل العربي عند البحث عن حل لمشكلته، وقد نحتاج إلى تعليم السوق معناه قبل أن يصبح فئة مفهومة.

منصة لأعمال صناع المحتوى (Creator Business Platform)

منصة لبناء نشاطك كصانع محتوى.

هذه الصياغة واسعة وتنسجم مع فكرة اقتصاد صناع المحتوى (Creator Economy). لكنها قد تجذب جمهورًا يحمل توقعات تختلف عما يقدمه المنتج حاليًا؛ لذلك لم تكن الخيار الأقوى بالنسبة إلينا.

مقارنة خيارات تموضع المنتج

كيف تقارن بين الخيارات؟

يمكن تقييم كل تموضع محتمل بخمسة أسئلة:

  • هل يصف المنتج؟ هل يعكس ما يستطيع المنتج فعله اليوم؟
  • هل هو واضح؟ هل يفهمه العميل من دون شرح طويل؟
  • هل يميزنا؟ أم يستطيع خمسة منافسين قول الشيء نفسه؟
  • هل يسمح بالنمو؟ هل يمكن إضافة حالات استخدام جديدة من دون تغيير الفئة؟
  • هل يمكننا امتلاك مساحة داخله؟ هل توجد مساحة يمكن أن ترتبط باسمنا، أم ندخل فئة يملكها منافسون أقوى بالفعل؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال: أي جملة تبدو أجمل؟

ماذا وجدنا في حالة ليمونة؟

بعد مقارنة الاتجاهات المختلفة، وجدنا أن وصف:

منصة لإنشاء المنصات التعليمية والرقمية وإدارتها

أقوى، بوصفه فئة أساسية، من:

منصة لإنشاء الدورات وبيعها.

ليس لأنه أجمل صياغة، بل لأنه يحقق عدة شروط في الوقت نفسه. فهو يتوافق مع المنتج الحالي، ويستوعب حالات الاستخدام المختلفة، ويترك مساحة أكبر للتميز. كما يتفق مع السلوك الذي نريد أن يرتبط بليمونة: أنشئ منصتك، لا دورة فحسب.

المنافسون وحدهم لا يكفون

تحليل المنافسين يوضح المشهد التنافسي، لكنه لا يثبت أن العملاء يفكرون بالطريقة نفسها التي نفكر بها.

المنافسون يخبروننا بالمساحات الموجودة في السوق، أما العملاء فيكشفون لنا كيف يفهمون المشكلة. لذلك نحتاج إلى التحقق مع العملاء (Customer Validation).

ولا يعني ذلك أن نسأل العميل: أي عبارة تفضل؟ فهذا اختبار ضعيف. الأفضل أن نسأله عن تجربته الفعلية:

  • عندما أردت بناء نشاط تعليمي، عمَّ كنت تبحث؟
  • ما المشكلة الأساسية التي كنت تحاول حلها؟
  • ما الأدوات أو المنصات التي قارنت بينها؟
  • ما الذي جعلك تختار هذا الحل بدلًا من غيره؟
  • كيف تصف لشخص آخر ما كنت تبحث عنه؟

تكشف هذه الأسئلة لغة العميل (Customer Language)، وهي من أهم المدخلات اللازمة لتثبيت التموضع.

لا تجعل العميل يختار التموضع نيابة عنك

يقع بعض أصحاب المنتجات في خطأ آخر أثناء التحقق مع العملاء. يعرضون ثلاث أو أربع رسائل ويطلبون من العملاء التصويت، ثم يختارون الرسالة التي حصلت على أكبر عدد من الأصوات.

لكن العميل ليس مسؤولًا عن بناء التموضع. مهمتنا أن نفهم:

  • كيف يصف المشكلة.
  • ما النتيجة التي يريد الوصول إليها.
  • ما البدائل التي يفكر فيها.
  • ما اللغة التي يستخدمها.
  • لماذا اختار حلًا معينًا.
  • لماذا رفض حلولًا أخرى.

ثم نستخدم هذه المعلومات لبناء تموضع أقوى.

التموضع الجيد يترك مساحة للنمو

هذه النقطة مهمة خصوصًا في منتجات SaaS. يجب ألا يجبرك التموضع الذي تختاره اليوم على تغييره كلما أضفت ميزة جديدة.

تخيل أن تموضع ليمونة هو «منصة للدورات»، ثم أضفنا العضويات، والتدريب، والمنتجات الرقمية، وأكاديميات الشركات. سنضطر عندها إلى إعادة تعريف المنتج في كل مرة.

أما إذا كان التموضع هو «منصة لإنشاء المنصات التعليمية والرقمية وإدارتها»، فستصبح هذه الخدمات حالات استخدام داخل فئة واحدة، وسيملك المنتج مساحة أكبر للنمو.

مسار التحقق من التموضع: المنتج والمنافسون والعملاء واختبار السوق

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إطلاق الرسالة

حتى بعد تحليل المنتج والمنافسين والعملاء، يظل التموضع فرضية استراتيجية ينبغي وضعها في السوق ومراقبة أثرها:

  • هل يفهم الزائر المنتج بسرعة؟
  • هل يستطيع شرح ما تفعله ليمونة بعد زيارة الموقع؟
  • هل تتوافق أسئلة المبيعات مع الرسالة التي نحاول إيصالها؟
  • هل يبدأ العملاء باستخدام الكلمات نفسها التي نستخدمها؟
  • هل يجذب المحتوى الأشخاص الذين نريد الوصول إليهم؟
  • هل تتوافق مقارنات البحث مع الفئة التي اخترناها؟

تساعدنا هذه الإشارات على معرفة ما إذا كان التموضع يعمل فعلًا.

ما الذي نريد أن يمتلكه اسم ليمونة في ذهن العميل؟

هذه هي الطريقة الأهم التي أرى بها الموضوع. لا نريد أن تكون العلاقة:

Lymonah ← دورات

فالمنافسون يقدمون الدورات أيضًا. نريد أن تصبح العلاقة:

Lymonah ← امتلك منصتك التعليمية أو الرقمية ← بع منتجاتك وأدر نشاطك من مكان واحد.

وبهذا يختلف النموذج الذهني الذي نريده لليمونة عن نماذج المنتجات الأخرى:

  • Udemy: سوق للدورات.
  • Teachable وThinkific: منصات للتعليم والأعمال القائمة على المحتوى.
  • Kajabi: نظام متكامل لأعمال الخبراء.
  • Lymonah: امتلك منصتك الخاصة.

هذه ليست عبارات تسويقية فقط، بل محاولة لتحديد الفئة الذهنية (Mental Category) التي نريد أن ترتبط بها العلامة.

كيف تعرف أن التموضع صحيح؟

المعايير الخمسة لصحة التموضع

بعد هذه التجربة، صرت أقيم التموضع وفق خمسة معايير:

  1. دقيق (Accurate): هل يصف المنتج الحقيقي؟
  2. واضح (Clear): هل يفهمه العميل بسهولة؟
  3. مميز (Differentiated): هل يضع المنتج في مساحة واضحة مقارنة بالمنافسين؟
  4. قابل للتوسع (Expandable): هل يسمح للمنتج بالنمو من دون تغيير الفئة كل مرة؟
  5. مثبت مع العملاء (Customer-validated): هل يتوافق مع طريقة تفكير العملاء وحديثهم عن المشكلة والحل؟

إذا فشل التموضع في أحد هذه المعايير، فهذه إشارة إلى ضرورة إعادة التفكير فيه.

التموضع ليس قرارًا لغويًا

هذا أهم درس خرجت به من تجربة ليمونة. قد يبدو التموضع في البداية اختيارًا لجملة مناسبة للصفحة الرئيسية، لكنه قرار أعمق بكثير.

أنت تختار أولًا الفئة التي تريد أن ينتمي إليها منتجك، ثم الوعد الأساسي الذي تريد أن يرتبط به، ثم المساحة التي تريد امتلاكها مقارنة بالمنافسين. وبعد ذلك فقط تأتي الجملة.

قادنا الاختبار الحالي في ليمونة إلى:

  • الفئة: منصة لإنشاء المنصات التعليمية والرقمية وإدارتها.
  • الوعد الأساسي: أنشئ منصتك الخاصة بعلامتك التجارية وأدرها من دون بناء التقنية من الصفر.
  • حالات الاستخدام: الدورات، والمنتجات الرقمية، والعضويات، والتدريب، والجلسات الفردية (Coaching)، وأكاديميات الشركات والعملاء.

لكن الاختبار لم ينتهِ. الخطوة التالية هي التحقق مع العملاء: أن نسمع من السوق كيف يصف المشكلة والحل والبدائل، ثم نرى مدى تطابق اللغة التي اخترناها مع لغة العملاء.

لأن أقوى تموضع ليس الجملة التي تبدو أفضل داخل غرفة الاجتماعات، بل الجملة التي تساعد السوق على فهمك، وتساعدك على امتلاك مساحة واضحة داخله.

م
مـاهر الجميـل
VisaMastercardApple Pay