تجربتي مع التعفن الدماغي
العودة للمدونة

تجربتي مع التعفن الدماغي

ما
ماهر الجميل
··4 دقائق للقراءة

تجربتي مع التعفن الدماغي: عندما اكتشفت أن عقلي لم يعد يحتمل الملل

منذ سنوات وأنا أعمل في مجال التقنية. أقضي معظم يومي بين البرمجة، وإدارة المنتجات، وقراءة المقالات، ومتابعة الجديد في عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

كنت أظن أنني أستثمر وقتي بشكل جيد.

لكن في مرحلة ما بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.

لم أعد أستطيع التركيز كما كنت من قبل.

ليس لأن العمل أصبح أصعب، بل لأن عقلي أصبح أكثر تشتتًا.

كنت أفتح هاتفي عشرات المرات يوميًا دون سبب واضح. أتنقل بين التطبيقات بشكل تلقائي. أشاهد فيديو قصيرًا، ثم آخر، ثم آخر. أقرأ منشورًا، ثم أنتقل إلى غيره قبل أن أستوعب ما قرأته.

في البداية لم أرَ مشكلة في ذلك. الجميع يفعل الأمر نفسه.

لكن مع الوقت بدأت ألاحظ آثارًا لم أكن أتوقعها.

أصبحت أجد صعوبة أكبر في الجلوس لساعتين متواصلتين للعمل على فكرة معقدة. صارت قراءة كتاب أو مقال طويل تحتاج إلى مجهود أكبر. وحتى عندما كنت أحصل على وقت فراغ، لم أعد أعرف كيف أتعامل معه دون أن أمسك هاتفي.

عندها بدأت أقرأ عن مفهوم يُطلق عليه البعض "التعفن الدماغي" أو Brain Rot.

ورغم أن المصطلح ليس تشخيصًا طبيًا، فإنه يصف شعورًا يعرفه كثير من الناس اليوم: استهلاك كميات هائلة من المحتوى السريع على حساب التركيز والتفكير العميق.

الاكتشاف الحقيقي

المشكلة لم تكن في المحتوى نفسه.

المشكلة أنني لم أعد أسمح لعقلي بالهدوء.

كل لحظة انتظار كانت فرصة لفتح الهاتف.

كل دقيقة فراغ كانت فرصة لمشاهدة شيء جديد.

كل شعور بالملل كنت أحاول الهروب منه فورًا.

ومع الوقت أدركت أنني لم أكن أستهلك المحتوى فقط، بل كنت أستهلك كل المساحات التي كان عقلي يحتاجها للتفكير.

لماذا أصبح الملل مهمًا بالنسبة لي؟

من أغرب الأشياء التي اكتشفتها أن الملل ليس مشكلة تحتاج إلى حل.

بل قد يكون شيئًا يحتاجه العقل.

عندما كنا أصغر سنًا، كانت هناك لحظات طويلة من الفراغ. أثناء المشي، أو الانتظار، أو الجلوس بلا هدف محدد، أو حتى أثناء الذهاب إلى الصيد في الصباح الباكر أو في هدوء الليل، حيث لا يكون هناك ما يشغل العقل سوى مراقبة الماء وانتظار اللحظة المناسبة.

في تلك اللحظات كان العقل يعمل في الخلفية.

يفكر.

يربط الأفكار ببعضها.

يحل المشكلات.

ويولد أفكارًا جديدة.

أما اليوم، فالهاتف يملأ كل ثانية متاحة.

أصبح من الصعب أن نجد لحظة لا يدخل فيها محتوى جديد إلى أذهاننا.

وهنا بدأت أفهم لماذا كانت بعض أفضل أفكاري تأتي أثناء المشي، أو أثناء القيادة، أو حتى أثناء الجلوس مع ورقة وقلم دون هدف واضح.

الشخبطة التي أعادت لي التركيز

من الأشياء التي ساعدتني بشكل غير متوقع العودة إلى الورقة والقلم.

أحيانًا أرسم مخططًا لفكرة.

أحيانًا أكتب ملاحظات بخط اليد.

وأحيانًا أكتفي بالشخبطة العشوائية أثناء التفكير.

قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه مختلف تمامًا عن استهلاك المحتوى.

الرسم والكتابة اليدوية يجبران العقل على التباطؤ.

لا توجد إشعارات.

لا يوجد تمرير لا نهائي.

لا توجد مكافآت سريعة كل بضع ثوانٍ.

فقط أنت وأفكارك.

ومع الوقت بدأت ألاحظ أن هذه اللحظات تساعدني على استعادة جزء من التركيز الذي كنت أشعر أنني فقدته.

ما الذي أحاول فعله اليوم؟

لا أحاول الابتعاد عن التكنولوجيا. فهذا جزء أساسي من عملي وحياتي.

لكنني أحاول أن أكون أكثر وعيًا بعلاقتي معها.

أحاول أن أقلل من التمرير العشوائي.

أحاول أن أقرأ أكثر مما أشاهد.

أحاول أن أترك الهاتف بعيدًا أثناء العمل العميق.

وأحاول، من وقت لآخر، أن أسمح لنفسي بالشعور بالملل. أحيانًا أقضي وقتًا طويلًا مستلقيًا على الأرض، ناظرًا إلى السماء دون أي هدف أو مهمة أو محتوى أستهلكه. والغريب أنني كثيرًا ما أحاول مقاومة هذه الرغبة، وكأن عليّ أن أكون مشغولًا أو منتجًا طوال الوقت. لكنني بدأت أكتشف أن هذه اللحظات البسيطة ليست مضيعة للوقت كما كنت أظن، بل قد تكون من أكثر اللحظات التي تمنح عقلي فرصة للهدوء وإعادة ترتيب أفكاره.

لأنني اكتشفت أن العقل لا يحتاج دائمًا إلى المزيد من المعلومات.

أحيانًا يحتاج فقط إلى بعض الصمت.

الخاتمة

أعتقد أن أكبر تحدٍ نواجهه اليوم ليس نقص المعرفة، بل كثرتها.

المعلومات متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكن الانتباه أصبح موردًا نادرًا.

وتجربتي الشخصية علمتني أن حماية هذا الانتباه لا تكون فقط بتقليل المشتتات، بل أيضًا بإعادة اكتشاف أشياء بسيطة جدًا: المشي، والقراءة، والكتابة، والشخبطة، وحتى الملل.

ففي عالم يحاول باستمرار أن يشغل عقولنا، ربما تكون القدرة على الجلوس بهدوء مع أفكارنا واحدة من أهم المهارات التي يمكن أن نمتلكها.

مـاهر الجميـلمـاهر الجميـل